عبد الوهاب الشعراني
23
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
وكان يقول : من أدب المريد مع شيخه أن يرى خدمته مقدمة على خدمة أبيه الطيني المجرد عما يعلّمه له شيخه من الخير ، لأن أباه كدره وأباه الروحي صفاه . وأباه الطيني مزجه بالماء والطين ، وأستاذه رقاه إلى أعلى عليين . وكان يقول : سماعك من شيخك كلمة أدب في لحظة واحدة أفضل من أدب أبيك ومعلمك في الأدب الظاهر عشرين سنة وذلك لأن العارف يؤدب روحك وغيره يؤدب نفسك ، وإيضاح ذلك أن معلم الروح أعلى من معلم النفس ، وإن كانا حقيقة واحدة عند المحققين ، وأين روح الولي المطهر من الأدناس من روح العاق الملطخ بالأدناس . ومن شأنه أن يكثر من شكر اللّه تعالى الذي جمعه على الشيخ ، فإن كل مريد لم يصادق رجلا يربيه خرج من الدنيا وهو متلوث بالذنوب ولو كان على عبادة الثقلين . وكان سيدي أبو العباس المرسي رحمه اللّه يقول : لا يصدق المريد في محبة شيخه حتى يصير كلامه من جهاته محيطا به وليس مراد العارفين بكلامهم للمريد إلا أن يخرجوه من الضيق إلى السعة ، ومن الظلمة إلى النور . وكان يقول : المريد الصادق لا يطلب من الشيخ أن يقبل عليه كلما أتاه ، فإن الشيخ مشغول بربه عز وجل ، وربما يقع له في بعض الأوقات أنه لا يعرف ولده فضلا عن غيره ، وربما كان في جملة أهل بلده أو إقليمه فلا يصير له التفات إلى أحد من الخلق ، ولا يلتفت إلا لمن يشاركه في البلاء ، وأنت أيها المريد ضعيف الحال ، ولو أنك حين شاركته لعذرته حين يذوب جسمك كما يذوب الرصاص على النار . ومن شأنه أن لا يتعب شيخه في تربيته بأن يكون سميعا مطيعا لكل ما يشير به عليه . وقد كان الشيخ أبو العباس المرسي رحمه اللّه يقول : ليس المريد من يفتخر بشيخه ، وإنما المريد من يفتخر شيخه به . وكان يقول : متى لم يكن المريد يعتقد في شيخه الاعتقاد التام ، وإلا لم يفلح على يديه بل تنعكس ظلمة باطنه عليه فيظن أن صفاته هو هي صفات شيخه فلا يهذبه بأخلاقه ولا يؤدبه بإطراقه ولا ينور باطنه بإشراقه . وكان يقول : كل من لم يصبر على صحبة شيخه ابتلاه اللّه بخدمة النساء وموت القلب . وكان الشيخ أبو الحجاج الأقصري رضي اللّه عنه يقول : من صدق في الإرادة مع الشيخ لا يحتاج إلى الاجتماع بجسمه بل يكفيه التوجه إليه بالقلب لأن صور صحة المعتقدات إذا